آراءأخبار

هدوء القائد وعمق الدولة /الهادي ولد الشيخ سيد

ليست كل الإطلالات الإعلامية سواء؛ فبعضها يمر مرورًا عابرًا، وبعضها يترك وراءه مادة ثرية للتأمل والتحليل. ومن هذا الصنف الأخير كانت الخرجة الإعلامية الأخيرة لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد الشيخ الغزواني، التي كشفت – في تقديري – عن شخصية سياسية تتعامل مع الشأن العام بعقل بارد، ونفس طويل، وهدوء لا يضطرب أمام الأسئلة الصعبة ولا أمام اختلاف المشارب وتباين المواقف.
لقد بدا الرئيس، وهو يواجه أسئلة الصحفيين في موضوعات متشعبة، متماسكًا في منطقه، رصينًا في عبارته، بعيدًا عن الانفعال أو التوتر، وكأنما كان يدير حوارًا مع الوقائع أكثر مما كان يخوض سجالًا مع الأشخاص. وكان لافتًا أن ردوده لم تعتمد على الإنشاء الخطابي أو العموميات، بل اتسمت بقدر كبير من العمق والترتيب، الأمر الذي منح المتابع انطباعًا بأن الرجل يتحدث من أرضية معرفية واسعة، لا من ارتجال اللحظة.
ولعل أكثر ما استوقفني في هذه الخرجة أنها بددت – إلى حد بعيد – الصورة التي حاول بعض خصومه ترسيخها، والقائلة إن الرئيس بعيد عن تفاصيل ما يجري في الساحة الوطنية، أو أنه يعيش حالة من الغياب عن نبض الواقع. فقد أظهر، في تقديري، إلمامًا دقيقًا بملفات متعددة، واطلاعًا على تفاصيل قد لا يتوقعها كثيرون، مما يعكس متابعة مستمرة لمختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
وليس المقصود هنا الادعاء بأن كل شيء يسير على الوجه الأمثل، أو أن المشكلات قد انتهت، فذلك ما لا يقوله الواقع. غير أن ما يمكن استنتاجه من تلك الإطلالة هو أن الرجل يبدو مدركًا لحجم التعقيدات التي تحيط بمشروع بناء الدولة؛ فهو يعلم أن تراكمات الماضي ليست مما يزول بقرار، وأن إكراهات الحاضر تفرض حسابات دقيقة، وأن تحديات المستقبل تقتضي قدرًا كبيرًا من الحكمة والصبر.
ومن هنا يتولد لدي انطباع شخصي بأن الرئيس لا يتحرك بمنطق الإنجاز السريع الذي يستهلك رصيده في زمن وجيز، وإنما بمنطق التأسيس الهادئ لدولة مؤسسات حقيقية، يكون بقاؤها أطول من بقاء الأشخاص. وهو يدرك – فيما يبدو لي – أن الإصلاح العميق لا تصنعه العجلة، وإنما تصنعه الخطوات المتدرجة، وإن بدت بطيئة في نظر المتعجلين.
وقد يختلف الناس في تقييم الحصيلة، كما يختلفون في قراءة الأولويات، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الهدوء ليس ضعفًا، وأن التريث ليس ترددًا بالضرورة، وأن بناء الدول يختلف عن إدارة الأزمات اليومية؛ فالأول يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وإلى قدرة على احتمال النقد أكثر من القدرة على صناعة التصفيق.
ومن خلال قراءتي الشخصية لهذه الخرجة الإعلامية، خرجت بانطباع يكاد يقترب من اليقين بأن الرئيس لا ينظر إلى تجربته بوصفها محطة عابرة، بل بوصفها مشروعًا يريد أن يترك أثرًا في بنية الدولة الموريتانية. أما ما إذا كان سيغادر المشهد السياسي عند انتهاء ولايته، أم سيظل حاضرًا فيه، فذلك أمر لا يمكن الجزم به. غير أنني أرى أن الرجل – إن اختار الرحيل – فسيسعى، في تقديري، إلى أن يكون رحيلًا يحفظ مشروعه السياسي ويُبقي له إمكانية العودة إلى الساحة العامة إذا اقتضت الظروف ذلك.
ويبقى الزمن وحده هو الحكم العادل بين الرؤى والوعود، وبين الآمال والنتائج. أما المؤكد، فإن الخرجة الإعلامية الأخيرة قدمت للرأي العام صورة لرئيس بدا واثقًا من نفسه، واسع الاطلاع، هادئ الأعصاب، قادرًا على إدارة الحوار بلغة الدولة، لا بلغة الانفعال، وهي صفات تبقى محل تقدير عند من يرى أن الدول تُبنى بالعقل والحكمة أكثر مما تُبنى بالصخب والشعارات.

اللهادى الشيخ سيدى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
اتصل بنا