آراءأخبار

بيان تعزية ودعم إثر حريق مكتبة الشيخ والد الكاتب الدكتور محمدن محمد علي

بالأمس احترقت مكتبة شيخنا ووالدنا سعادة الكاتب الباحث المؤلف المشارك الدكتور محمدن محمد علي
فكتب صدر المجالس وزينة الندي العالم المفسر الدكتور محمدن محمد الدنبجة ما نصه:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أخي الأكبر محمد أحمد محمد علي،
بأسف بالغٍ، وأَلَمٍ عميقٍ، علمتُ باحتراق مكتبتكم الثرية، وشاهدتُ، في مشهدٍ مؤثِّرٍ، أكوامَ الكتب المحترقة، والسيارات تنقلُها إلى مثواها الأخير. وإذْ أدركُ شَغَفَكُمْ بالكتاب، وَوَلَعَـكُمْ بالكلمة، وعِشقَكم للحرف، وحجمَ الجهد المبذول في تحصيلها وترتيبها وصيانتها والعنايةِ بها عبرَ فضاءيْ التاريخ والجغرافيا؛ فإني مدركٌ أيضًا تمام الإدراكِ أن النار طالما مثَّلت في تاريخ العظماء عموما، والعلماء خاصة، ضريبةَ الخلود، ووَقودَ الإرادة، وناموسَ الإبداع الأبَدِي الخالد…
ودون التوقُّفِ كثيرًا عند قصةِ سيدِنا إبراهيمَ عليه السلام، أسمحُ لنفسي بالقول: لئن آلمني أن تغادرَ تلك الرفوفَ أوراقٌ ألِفَتْها واعتادتْ يُمْنَ جِوارِها، ونعومةَ مَلْمَسِها، وعظيمَ بركتها، فَكَمْ أسعدَني أنكمْ طالما تَخِذتُمْ لها من صدركم موطِنًا، وجعلتم لها من ذهنِكم مُسْتَقَرًّا، فاعْتَصَرْتُمْ من خُلاصاتها، واخْتصرْتمْ من تفاصيلها وجزئياتها، واستنتجتم من أطروحاتها، نفائسَ الكتب، هي اليوم لها خَلَفٌ، وأي خلف!
فمن تجارب الكتُب والمكتبات مع التَّلَف عمومًا، ومن مِحَنِها مع النار خصوصا، كانت خلاصة التأريخ أن أجساد الكُتب تفنى وأوراقَها تحترق، ومِدادَها يغرق، لكن روحَها ومعارفها لا ينال منها اللهب المشتعل، ولا الماء الفياض ولا الموج الهادر الجارف، لأن صدورَ العلماء، وأقلامَهم، ولوحاتِ المفاتيح تحت أصابعهم حصونٌ منيعةٌ، وفضاءاتٌ واقية، ومحاضنُ واعيةٌ. فلم تحترقْ مكتبةُ ابنِ رُشْدٍ إلا لتوقدَ عقولَ أوروبا، وما غرِقَ مِدادُ العلم بأنهُر بغداد في مِحْنَتِهَا “الهُولاكِية” إلا ليبقى أدبُها خالدًا في وجدان الوُجود وضميرِ الإنسان والإنسانية.
فلكم، أخي الفاضل، أبارك انضمامَكم إلى خيرة العلماء الذين تلفت مكتباتُهم حرقا أو احتراقا، أو غرقا، أو نهبا… أمثال: ابنِ سيناء، وابنِ حزم، والغزاليِّ، وابنِ الأثير، وابن الهيثم، وابنِ خلدون…
نواكشوط، 23/01/2025م
أخوكم:
محمدن محمد يحيى محمد الدنبجة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
اتصل بنا