
خريجو التحليل الاقتصادي.. بين استحقاق الإنصاف وضرورة استثمار الكفاءة الوطنية
أتمنى أن يحظى خريجو ماستر التحليل الاقتصادي بنصيبهم العادل من المسابقات والاكتتابات، وأن تُفتح أمامهم مسارات مهنية واضحة تتناسب مع طبيعة تكوينهم الأكاديمي ومهاراتهم التحليلية.
ففي الاكتتاب الأخير، لم يجد خريجو هذا التخصص مجالًا واضحًا يتناسب مع مؤهلاتهم، رغم أن التحليل الاقتصادي يُعد من التخصصات الدقيقة والمعقدة في العلوم الاقتصادية، ويتطلب تكوينًا علميًا ومهارات متقدمة في دراسة الظواهر الاقتصادية والاجتماعية وتحليلها.
ومنذ سنوات، يشعر عدد من خريجي هذا التخصص بأن حضورهم في مسابقات التوظيف لا يعكس حجم تكوينهم وكفاءاتهم، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى مراجعة مسارات الاكتتاب والتوظيف بما يضمن استفادة القطاعات العمومية والخاصة من هذه الطاقات.
فخريج التحليل الاقتصادي يعرف مجاله جيدًا، وليس من المنطقي أن يُدفع بصورة دائمة نحو تخصصات بعيدة عن تكوينه لمجرد إيجاد فرصة وظيفية. فالمطلوب ليس الحصول على وظيفة فحسب، وإنما إيجاد وظيفة تحفظ قيمة التخصص وتستثمر الكفاءة.
وقد أثبت عدد من خريجي التحليل الاقتصادي قدرتهم على الاندماج في مجالات متعددة؛ فمنهم من وصل إلى مناصب وتعيينات في قطاعات حكومية، ومنهم من يعمل في البنوك والشركات والمؤسسات، فضلًا عن حضورهم في مجال التدريس والبحث العلمي. كما نجح بعضهم في مسابقات واكتتابات لقطاعات مختلفة، من بينها وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، ووزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي وغيرها.
غير أن هذه النجاحات الفردية لا تلغي الحاجة إلى وضع مسارات أكثر وضوحًا أمام خريجي التحليل الاقتصادي، خاصة في القطاعات والمؤسسات التي تتطلب مهارات التحليل والتخطيط والدراسات الاقتصادية.
إن قصة خريج التحليل الاقتصادي مع الوظيفة ليست مجرد بحث عن منصب، بل هي في جوهرها بحث عن المكان الذي يستطيع فيه أن يوظف معارفه ويقدم أفضل ما لديه.
فهذا الخريج يمتلك القدرة على تشخيص المشكلات، وتحليل أسبابها، واستشراف نتائجها، واقتراح الحلول المناسبة. وهو قادر على مساعدة المؤسسات والدولة في فهم مكامن الخلل الاقتصادي والاجتماعي، ووضع السياسات والبرامج على أسس أكثر دقة وواقعية.
ومن المؤسف أن يفكر بعض هؤلاء الخريجين في الهجرة بسبب شعورهم بأن فرصهم المهنية لا تحظى بالإنصاف الكافي، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى كل كفاءاته وطاقاته العلمية.
ويمكن العثور على خريجي التحليل الاقتصادي في ميادين متعددة؛ في المقابلات الاقتصادية والوظيفية والسياسية، وفي المجتمع المدني والبحث العلمي والمجال الثقافي والفكري. وقد استطاع بعضهم الوصول إلى مستويات متقدمة في العمل العلمي والفكري، كما ابتكر آخرون أفكارًا ومشاريع جديدة تحولت إلى مبادرات واقعية، من بينها فكرة قهوة التمور وغيرها من المبادرات.
وهؤلاء لا يبحثون بالضرورة عن الشهرة أو التمجيد؛ فكثير منهم يقدم المساعدة للآخرين دون مقابل، ويدعم الأفكار والمبادرات التي يؤمن بها، ويواصل فعل الخير دون انتظار مردود أو إشادة.
ومع مرور السنوات، لا يزال بعض خريجي هذا التخصص ينتظرون فرصة حقيقية تمكنهم من إثبات قدراتهم. يفكرون في مستقبلهم، ويواجهون تحديات البطالة والانتظار، ويبحثون عن فرصة للعمل والعطاء في أي مكان من ربوع الوطن.
وعندما يفشل أحدهم في مسابقة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه فشل في الحياة؛ فقد يكون ببساطة في المكان الخطأ، أو أمام مسابقة لا تتناسب مع تخصصه. فالدافع الحقيقي لدى كثير منهم كان ولا يزال هو المحاولة ورفض الاستسلام للانتظار.
فهل عرفتم الآن من هم؟
إنهم خريجو التحليل الاقتصادي، البحثي والمهني.
إنصاف هؤلاء الخريجين ليس امتيازًا خاصًا لهم، بل هو استثمار في المجتمع والدولة. وفتح أبواب المسابقات والتوظيف أمامهم وفق معايير واضحة وعادلة يعني الاستفادة من كفاءات وطنية قادرة على الإسهام في تحليل المشكلات، ودعم صناعة القرار، واقتراح الحلول، والمساهمة في معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
إن إنصاف هذا التخصص يمثل خطوة في اتجاه تصحيح اختلال مهني، والحد من التهميش، وربط التكوين الأكاديمي باحتياجات سوق العمل ومؤسسات الدولة.
والوطن بخير ما دام فيه من يؤمن بأن الكفاءة تستحق الفرصة، وأن صناعة الأمل مسؤولية مشتركة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل البلاد.
والله هو الموفق.
أ. محمد سيدي محمد الحاج أحمد
باحث ومحلل اقتصادي
رئيس اتحاد المفكرين والمبدعين الموريتانيين
الأمين العام المساعد لنادي المحللين الاقتصاديين الموريتانيين




