
هل من المنطقي أن ترفض المعارضة الاشتراك في حوار وطني يهدف إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس من العدل والمساواة وسيادة القانون؟
تتطلب الإجابة على هذا السؤال تحليل العلاقة بين السلطة والمعارضة، ونقاش مفهوم الحوار الوطني بوصفه آلية لإعادة إنتاج الشرعية السياسية، و تفكيك منطق الرفض ومبررات المشاركة من زاوية المصلحة الوطنية والعقل السياسي، استنادا إلى نماذج مقارنة من تجارب ناجحة. ولنخلص إلى أن المشاركة النقدية المشروطة هي الموقف الأكثر اتساقًا مع المنطق السياسي والمبدأ الوطني.
إذيمثل الحوار الوطني إحدى أهم آليات معالجة الأزمات السياسية وبناء التوافقات الكبرى في مسار تطور الدولة الحديثة.
وفي السياقات التي تشهد أزمات شرعية أو انقسامات مجتمعية حادة، يُطرح الحوار بوصفه وسيلة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس أكثر عدلًا ومساواة.
لكن المعضلة الكبرى تكمن في موقف المعارضة من هذه الحوارات، إذ كثيرًا ما تتردد في المشاركة أو تعلن مقاطعتها، بحجة انعدام الثقة أو غياب الضمانات.
ومن هنا يثار التساؤل المركزي.
هل يُعد رفض المعارضة المشاركة في حوار يهدف إلى إعادة تأسيس الدولة موقفًا منطقيًا وسياسيًا رشيدًا؟
للإجابةلابدما اعتماد منهجً تحليليً نقديً يستند إلى المفاهيم النظرية في علم السياسة المقارنة، مع قراءة أمثلة تطبيقية من تجارب التحول الديمقراطي.
أولًا: الإطار النظري لمفهوم الحوار الوطني
يُعرّف الحوار الوطني، في الأدبيات السياسية، بأنه عملية تفاوضية بين مكونات الدولة والمجتمع تهدف إلى بناء توافقات حول أسس الحكم والشرعية الدستورية
وهو لا يُعدّ مجرد آلية تفاوضية، بل أداة لإعادة تأسيس الشرعية السياسية حين يوجد تهديد فعلي أو تتوفر رغبة صادقة لدى القائمين على الدولة الإصلاح اختلالات فى مجال العدالة اومبدأ سيادة القانون.
في هذا السياق، يشكّل الحوار الوطني أحد أشكال “التعاقد السياسي الجديد”، وهو ما يسميه جون لوك “التجديد الطوعي للعقد الاجتماعي”
وعليه، فإن المشاركة فيه تمثل مسؤولية وطنية تقع على عاتق جميع القوى السياسية، بما فيها المعارضة.
ثانيًا: دور المعارضة في مشروع إعادة التأسيس
تُعد المعارضة، وفق المفهوم المؤسسي للديمقراطية، ركنًا مكوِّنًا للنظام السياسي وليست نقيضًا له
وظيفتها لا تنحصر في الاعتراض، بل تمتد إلى التصحيح والمساءلة والموازنة.
ومن هذا المنطلق، فإن غيابها عن أي حوار وطني ينقلها من طرف موجب إلى سالب
ورغم أن مبررات المعارضة للمقاطعة قد تكون مشروعة — كغياب الثقة في نوايا السلطة أو ضعف الضمانات المؤسسية — إلا أن المنطق السياسي الواقعي يقتضي أن تتحول هذه المخاوف إلى شروط للمشاركة لا إلى مبرر للانسحاب.
فالمعارضة التي تقاطع حوارًا وطنيًا حقيقيًا تخسر دورها بوصفها شريكًا في إعادة صياغة النظام السياسي.
ثالثًا: جدلية الرفض والمشاركة
يمكن التمييز هنا بين رفض الشكل ورفض الجوهر.
فإذا كان الاعتراض منصبًا على آليات تنظيم الحوار، أو على هيمنة طرف بعينه، فالموقف المنطقي هو المطالبة بالإصلاح الإجرائي لا الانسحاب الكلي.
أما الرفض المطلق لمبدأ الحوار، فيمثل انسحابًا من المجال العمومي ويكرّس عزلة المعارضة عن عملية إنتاج القرار الوطني.
من جهة أخرى، تُظهر التجارب المقارنة — كما في جنوب إفريقيا خلال مرحلة ما بعد الفصل العنصري (1990–1994) أو تونس بعد 2011 — أن إشراك المعارضة في الحوار الوطني كان شرطًا لازمًا لتحقيق التحول السلمي نحو دولة القانون.
بينما أدت مقاطعة الحوارات في دول أخرى إلى جمود سياسي أو عودة الاستبداد.
رابعًا: المصلحة الوطنية كمرجعية نهائية
في التحليل النهائي، يُعد مبدأ المصلحة الوطنية العليا المعيار الحاكم لتقييم موقف المعارضة.
إذ لا يمكن بناء دولة حديثة من دون مشاركة القوى السياسية كافة في صياغة عقدها الدستوري.
المعارضة التي ترفض الانخراط في هذا المسار، حين تتوافر الجدية والنية الإصلاحية، لا تحمي القيم الديمقراطية بل تترك فراغًا تستفيد منه القوى المناهضة للتغيير.
وهنا يبرز ما يسميه فيبر بـ “أخلاق المسؤولية” التي يجب أن ترافق “أخلاق القناعة”
أي أن على المعارضة أن توازن بين مبدئيتها الأخلاقية وواجبها الوطني في تحمل مسؤولية المشاركة حين تلوح فرصة الإصلاح.
خامسًا: نحو معادلة المشاركة النقدية
الحل لا يكمن في الانخراط الأعمى في أي حوار، ولا في المقاطعة المطلقة، بل في المشاركة النقدية المشروطة.
أي أن تدخل المعارضة إلى الحوار برؤية واضحة، وجدول مطالب محدد، وضمانات مؤسسية للمخرجات،
تُظهر القراءة التحليلية أن رفض المعارضة المشاركة في حوار وطني جاد يهدف إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس العدل والمساواة وسيادة القانون لا يتفق مع المنطق السياسي ولا مع المصلحة الوطنية.
فالمعارضة، بوصفها جزءًا من النظام السياسي لا خصمًا له، تتحمل مسؤولية المشاركة في صياغة مستقبل الدولة.
أما الانسحاب من الحوار، فهو انسحاب من الفعل الوطني ذاته، وتفريط في فرصة نادرة لإعادة بناء الشرعية السياسية على أسس تشاركية.
محمدسالم وذان




